أحمد زكي صفوت
63
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
ثم تجافى لهم عنها ، وطال عليهم بها ، لكان إليه مما ينسب ، وبه يعرف ، من الجود الذي طبعه اللّه عليه ، وجعل قرّة عينه ، ونهمة « 1 » نفسه فيه ، فإن قال المهدى : هذا رأى مستقيم سديد ، في أهل الخراج الذين شكوا ظلم عمالنا ، وتحامل ولاتنا ؛ فأما الجنود الذين نقضوا مواثيق العهود ، وأنطقوا لسان الإرجاف ، وفتحوا باب المعصية ، وكسروا قيد الفتنة ، فقد ينبغي لهم أن أجعلهم نكالا لغيرهم ، عظة لسواهم ، فيعلم المهدى أنه لو أتى بهم مغلولين في الحديد ، مقرّنين « 2 » في الأصفاد « 3 » ، ثم اتسع لحقن دمائهم عفوه ، ولإقالة عثرتهم صفحه ، واستبقاهم لما هم فيه من حربه ، أو لمن بإزائهم من عدوه ، لما كان بدعا من رأيه ، ولا مستنكرا من نظره ، لقد علمت العرب أنه أعظم الخلفاء والملوك عفوا ، وأشدها وقعا ، وأصدقها صولة ، وأنه لا يتعاظمه « 4 » عفو ، ولا يتكاءده « 5 » صفح ، وإن عظم الذنب ، وجل الخطب ، فالرأي للمهدى وفقه اللّه تعالى أن يحل عقدة الغيظ ، بالرجاء لحسن ثواب اللّه في العفو عنهم ، وأن يذكر أولى حالاتهم ، وضيعة عيالاتهم ، برّا بهم ، وتوسّعا لهم ، فإنهم إخوان دولته ، وأركان دعوته ، وأساس حقه الذين بعزتهم يصول ، وبحجّتهم يقول ، وإنما مثلهم فيما دخلوا فيه من مساخطه ، وتعرّضوا له من معاصيه ، وانطووا فيه عن إجابته ، ومثله في قلة ما غيّر ذلك من رأيه فيهم ، أو نقل من حاله لهم ، أو تغيّر من نعمته بهم ، كمثل رجلين أخوين متناصرين متوازرين ، أصاب أحدها خبل عارض ، ولهو حادث . فنهض إلى أخيه بالأذى ، وتحامل عليه بالمكروه ، فلم يزدد أخوه إلا رقّة له ، ولطفا به ، واحتيالا لمداواة مرضه ، ومراجعة حاله ، عطفا عليه ، وبرّا به ، ومرحمة له » .
--> ( 1 ) النهمة : الحاجة وبلوغ الشهوة في الشئ . ( 2 ) مقيدين . ( 3 ) الأصفاد : القيود : جمع صفد كسبب . ( 4 ) تعاظمه الأمر : عظم عليه . ( 5 ) تكاءده الأمر : شق عليه .